فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عاشور:

وقوله: {ءَاتُوني زُبَرَ الحَدِيدِ}.
هو أمر لهم بمناولة زبر الحديد.
فالإيتاء مستعمل في حقيقة معناه وهو المناولة وليس تكليفًا للقوم بأن يجلبوا له الحديد من معادنه لأن ذلك ينافي قوله: {ما مكَّني فيه ربي خير فأعينوني بقوة} أي أنه غني عن تكليفهم إنفاقًا على جعل السدّ.
وكأن هذا لقصد إقامة أبواب من حديد في مداخل الردم لمرور سيول الماء في شُعَب الجبل حتى لا ينهدم البناء بأن جعل الأبواب الحديدية كالشبابيك تمنع مرور الناس ولا تمنع انسياب الماء من بين قضبها، وجعل قضبان الحديد معضودة بالنحاس المذاب المصبوب على الحديد.
والزُبَر: جمع زُبْرة، وهي القطعة الكبيرة من الحديد.
والحديد: معدن من معادن الأرض يكون قِطعًا كالحَصَى ودون ذلك فيها صلابة.
وهو يصنف ابتداء إلى صنفين: ليّن، ويقال له الحديد الأنثى، وصُلب ويقال له الذكر.
ثم يُصنف إلى ثمانية عشر صنفًا، وألوانه متقاربة وهي السنجابي، منها ما هو إلى الحمرة، ومنها ما هو إلى البياض، وهو إذا صهر بنار قوية في أتون مغلق التأمت أجزاؤه وتجمعت في وسط النار كالإسفنجة واشتدت صلابته لأنه بالصهر يدفع ما فيه من الأجزاء الترابية وهي المسماة بالصدأ والخبث، فتعلو تلك الأجزاء على سطحه وهي الزبَد.
وخبَث الحديد الوارد في الحديث: «إنّ المدينة تنفي خبَثها كما ينفي الكِيرُ خبث الحديد».
ولذلك فبمقدار ما يطفو من تلك الأجزاء الغريبة الخبيثة يخلص الجزء الحديدي ويصفو ويصير زُبَرًا.
ومن تلك الزُبر تُصنع الأشياء الحديدية من سيوف وزجاج ودروع ولأمات، ولا وسيلة لصنعه إلاّ الصهر أيضًا بالنار بحيث تصير الزبرة كالجَمر، فحينئذ تُشَكّل بالشكل المقصود بواسطة المطارق الحديدية.
والعصرُ الذي اهتدى فيه البشر لصناعة الحديد يسمى في التاريخ العصر الحديدي.
وقوله: {حتَّى إذا سَاوَى بَينَ الصَّدَفَينِ} أشعرت {حَتَّى} بشيء مغيًّا قبلها، وهو كلام محذوف تقديره: فآتوه زُبَر الحديد فنضدها وبناها حتى إذا جعل ما بين الصدفين مساويًا لعلو الصدفين.
وهذا من إيجاز الحذف.
والمساواة: جعل الأشياء متساوية، أي متماثلة في مقدار أو وصف.
والصدفان بفتح الصاد وفتح الدال في قراءة الجمهور وهو الأشهر.
وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب بضم الصاد والدال، وهو لغة.
وقرأه أبو بكر عن عاصم بضم الصاد وسكون الدال.
والصدف: جانب الجبل، وهما جانبا الجبلين وهما السدان.
وقال ابن عطية والقزويني في الكشف: لا يقال إلاّ صدفان بالتثنية، ولا يقال لأحدهما صَدف لأن أحدهما يصادف الآخر، أي فالصدفان اسم لمجموع الجانبين مثل المِقَصّان لما يقطع به الثوب ونحوه.
وعن أبي عيسى: الصدف كلّ بناء عظيم مرتفع. والخطاب في قوله: {انْفُخُوا} وقوله: {ءَاتُونِي} خطاب للعملة. وحذف متعلّق {انْفُخُوا} لظهوره من كون العمل في صنع الحديد. والتقدير: انفخوا في الكِيرَان، أي الكيران المصفوفة على طول ما بين الصدفين من زُبر الحديد. وقرأ الجمهور: {قَالَ ءَاتُونّي} مثل الأول.
وقرأه حمزة، وأبو بكر عن عاصم {ائتوني} على أنه أمر من الإتيان، أي أمرهم أن يحضروا للعمل.
و{القطر} بكسر القاف: النّحاس المُذاب. وضمير {اسْطَاعُوَا} و{اسَتَطَاعُوا} ليأجوج ومأجوج.
والظهور: العلو. والنقب: كسر الرّدم، وعدم استطاعتهم ذلك لارتفاعه وصلابته.
و{اسْطَاعُوَا} تخفيف {اسَتَطَاعُوا}، والجمع بينهما تفنن في فصاحة الكلام كراهية إعادة الكلمة.
وابتدىء بالأخف منهما لأنه وليه الهمز وهو حرف ثقيل لكونه من الحلق، بخلاف الثاني إذ وليه اللام وهو خفيف.
ومقتضى الظاهر أن يُبتدأ بفعل {اسَتَطَاعُوا} ويثني بفعل {اسْطَاعُوَا} لأنه يثقل بالتكرير، كما وقع في قوله آنفًا {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا} [الكهف: 78] ثم قوله: {ذلك تأويل ما لم تَسْطِع عليه صبرًا} [الكهف: 82].
ومن خصائص مخالفة مقتضى الظاهر هنا إيثار فعل ذي زيادة في المبنى بموقع فيه زيادة المعنى لأن استطاعة نقب السد أقوى من استطاعة تسلقه، فهذا من مواضع دلالة زيادة المبنى على زيادة في المعنى.
وقرأ حمزة وحده {فَما اسْطَّاعوا} الأول بتشديد الطاء مدغمًا فيها التاء.
وجملة {قال هذا رحمة من ربي} مستأنفة استئنافًا بيانيًا، لأنه لما آذن الكلام بانتهاء حكاية وصف الردم كان ذلك مثيرًا سؤال من يسأل: ماذا صدر من ذي القرنين حين أتم هذا العمل العظيم؟ فيجاب بجملة: {قال هذا رحمة من ربي}.
والإشارة بهذا إلى الرّدم، وهو رحمة للناس لما فيه من ردّ فساد أمّة ياجوج وماجوج عن أمة أخرى صالحة.
و{من} ابتدائية، وجعلت من الله لأنّ الله ألهمه لذلك ويسرّ له ما هو صعب.
وفرع عليه {فإذا جاء وعد ربي جعله دكًا} نطقًا بالحكمة لأنه يعلم أن كل حادث صائر إلى زوال.
ولأنه علم أن عملًا عظيمًا مثل ذلك يحتاج إلى التعهد والمحافظة عليه من الانهدام، وعلم أنّ ذلك لا يتسنى في بعض أزمان انحطاط المملكة الذي لا محيص منه لكلّ ذي سلطان.
والوعد: هو الإخبار بأمر مستقبل.
وأراد به ما في علم الله تعالى من الأجل الذي ينتهي إليه دوام ذلك الردم، فاستعار له اسم الوعد.
ويجوز أن يكون الله قد أوحى إليه إن كان نبيئًا أو ألهمه إن كان صالحًا أن لذلك الردم أجلًا معينًا ينتهي إليه.
وقد كان ابتداء ذلك الوعد يوم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فُتح اليوم من رَدم ياجوج وماجوج هكذا، وعقد بين أصبعيه الإبهام والسبابة» كما تقدم.
والدك في قراءة الجمهور مصدر بمعنى المفعول للمبالغة، أي جعله مدكوكًا، أي مسوّى بالأرض بعد ارتفاع. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف {جَعلهُ دَكّاءَ} بالمد.
والدكاء: اسم للناقة التي لا سنام لها، وذلك على التشبيه البليغ.
وجملة {وكان وعد ربي حقًا} تذييل للعلم بأنه لابد له من أجل ينتهي إليه لقوله تعالى: {لكل أجل كتاب} [الرعد: 38] و{لكل أمة أجل} [يونس: 49] أي وكان تأجيل الله الأشياء حقًا ثابتًا لا يتخلف. وهذه الجملة بعمومها وما فيها من حكمة كانت تذييلًا بديعًا. اهـ.

.قال الشعراوي:

{آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ}.
لم يكن ذو القرنين رجلًا رحالة، يسير هكذا بمفرده، بل مكَّنه الله من أسباب كل شيء، ومعنى ذلك أنه لم يكن وحده، بل معه جيش وقوة وعدد وآلات، معه رجال وعمال، معه القوت ولوازم الرحلة، وكان بمقدوره أنْ يأمرَ رجاله بعمل هذا السدِّ، لكنه أمر القوم وأشركهم معه في العمل لِيُدرِّبهم ويُعلِّمهم ما داموا قادرين، ولديهم الطاقة البشرية اللازمة لهذا العمل.
والحق تبارك وتعالى يقول: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ مَآ آتَاهَا} [الطلاق: 7] فما دام ربك قد أعطاك القوة فاعمل، ولا تعتمد على الآخرين؛ لذلك تجد هنا أوامر ثلاثة: أعينوني بقوة، آتوني زبر الحديد، آتوني أفرغ عليه قطرًا.
زبر الحديد: أي قطع الحديد الكبيرة ومفردها زُبْرة، والقِطْر: هو النحاس المذاب، لكن، كيف بنى ذو القرنين هذا السد من الحديد والنحاس؟
هذا البناء يشبه ما يفعله الآن المهندسون في المعمار بالحديد والخرسانة؛ لكنه استخدم الحديد، وسَدَّ ما بينه من فجوات بالنحاس المذاب ليكون أكثر صلابة، فلا يتمكن الأعداء من خَرْقه، وليكون أملسَ ناعمًا فلا يتسلقونه، ويعلُون عليه.
فقوله: {حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين} [الكهف: 96] الصدف: الجانب، ومنه قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ الله وَصَدَفَ عَنْهَا} [الأنعام: 157] أي: مال عنها جانبًا.
فمعنى: ساوى بين الصدفين. أي: ساوى الحائطين الأمامي والخلفي بالجبلين: {قَالَ انفخوا} [الكهف: 96] أي: في الحديد الذي أشعل فيه، حتى إذا التهب الحديد نادى بالنحاس المذَاب: {قَالَ آتوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: 96] وهكذا انسبكَ الحديد الملتهب مع النحاس المذَاب، فأصبح لدينا حائطٌ صَلْبٌ عالٍ أملس.
لذلك قال تعالى بعدها: {فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ}.
{أَن يَظْهَرُوهُ} أي: ما استطاعت يأجوج ومأجوج أن يعلوا السد أو يتسلقوه وينفذوا من أعلاه؛ لأنه ناعم أملس، ليس به ما يمكن الإمساك به: {وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْبًا} [الكهف: 97] لأنه صَلْب.
ثم يقول تعالى على لسان ذي القرنين: {قَالَ هذا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي}.
لم يَفُتْ ذا القرنين وهو الرجل الصالح أنْ يسند النعمة إلى المنعم الأول، وأنْ يعترف بأنه مجرد واسطة وأداة لتنفيذ أمر الله: {قَالَ هذا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي} [الكهف: 98] لأنني أخذتُ المقوِّمات التي منحني الله إياها، واستعملتها في خدمة عباده.
الفكر مخلوق لله، والطاقة والقوة مخلوقة لله، المواد والعناصر في الطبيعة مخلوقة لله، إذن: فما لي أن أقول: أنا عملتُ كذا وكذا؟
ثم يقول تعالى: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي} [الكهف: 98] أي: الآخرة {جَعَلَهُ دَكَّاءَ} [الكهف: 98] فإياكم أن تظنوا أن صلابة هذا السَّد ومتانته باقية خالدة، إنما هذا عمل للدنيا فحسب، فإذا أتى وَعْد الله بالآخرة والقيامة جعله الله دكًا وسوّاه بالأرض، ذلك لكي لا يغترون به ولا يتمردون على غيرهم بعد أنْ كانوا مُستذلّين مُستضعفين ليأجوج ومأجوج. وكأنه يعطيهم رصيدًا ومناعة تقيهم الطغيان بعد الاستغناء.
{وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف: 98] واقعًا لاشك فيه.
والتحقيق الأخير في مسألة ذي القرنين وبناء السد أنه واقع بمكان يُسمَّى الآن بلخ والجبلان من جبال القوقاز، وهما موجودان فعلًا، وبينهما فَجْوة مبنيُّ فيها، ويقولون: إن صاحب هذا البناء هو قورش، وهذا المكان الآن بين بحر قزوين والبحر الأسود. اهـ.

.قال أبو حيان في الآيات السابقة:

{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93)}.
السد الحاجز والحائل بين الشيئين، ويقال بالضم وبالفتح.
الردم: السد.
وقيل: الردم أكبر من السد لأن الردم ما جعل بعضه على بعض، يقال: ثوب مردّم إذا كان قد رقع رقعة فوق رقعة.
وقيل: سد الخلل، قال عنترة:
هل غادر الشعراء من متردم

أي خلل في المعاني فيسد ردمًا.
الزبرة: القطعة وأصله الاجتماع، ومنه زبرة الأسد لما اجتمع على كاهله من الشعر، وزبرت الكتاب جمعت حروفه.
الصدفان جانبا الجبل إذا تحاذيا لتقاربهما أو لتلاقيهما قاله الأزهري، ويقال: صدف بضمهما وبفتحهما وبضم الصاد وسكون الدال وعكسه.
قال بعض اللغويين: وفتحهما لغة تميم وضمهما لغة حمير.